سامر شقير يكتب: سوق الكربون السعودي يجذب رؤوس الأموال
لم تعد مواجهة التغير المناخي مجرد التزام بيئي تتحمله الحكومات والشركات، بل تحولت إلى سوق استثمارية تتنافس فيها رؤوس الأموال على اقتناص الفرص الجديدة. وفي السعودية، تكشف زيادة الطلب المحلي على الأرصدة الكربونية مقارنة بالمعروض عن تحول اقتصادي مهم، قد يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية جديدة ويعزز موقع المملكة في خريطة التمويل المناخي الإقليمي.
وأرى أن نجاح شركة سوق الكربون الطوعي في تداول أكثر من 15 مليون رصيد كربوني منذ تأسيسها، بقيمة تقارب 350 مليون ريال جرى توجيهها لتمويل مشروعات مناخية حول العالم، يعكس انتقال السوق السعودية من مرحلة التأسيس إلى مرحلة بناء طلب فعلي على الأصول المرتبطة بخفض الانبعاثات وإزالتها.
والأهم أن الشركة رصدت خلال السنوات الثلاث الماضية تجاوز الطلب المحلي للمعروض، وهو ما يعكس اهتمام شركات تمثل شريحة كبيرة من الانبعاثات الصناعية بالحصول على أرصدة كربونية موثوقة. وفي تقديري، يخلق ذلك فرصا أمام المستثمرين ومطوري المشروعات القادرين على تقديم حلول مناخية ذات جودة عالية.
وتتابع الشركة أكثر من 30 مطورا محليا ودوليا يعملون على مشروعات متنوعة، تشمل التقاط غاز الميثان، ومعالجة النفايات، والحلول القائمة على الطبيعة، وتقنيات التقاط الكربون من الهواء، والخرسانة منخفضة الكربون. وهذه المجالات تفتح مسارات متعددة أمام رأس المال المؤسسي للمشاركة في الاقتصاد المناخي.
**السياق الاقتصادي وبناء السوق**
يأتي هذا التطور في إطار مستهدف السعودية لتحقيق الحياد الصفري بحلول 2060، من خلال الاقتصاد الدائري للكربون وتحويل الالتزامات المناخية إلى أدوات اقتصادية وتمويلية قابلة للتطبيق.
وتحظى شركة سوق الكربون الطوعي بدعم صندوق الاستثمارات العامة ومجموعة تداول السعودية، بما يساعد على بناء بنية تحتية تربط التمويل بالمشروعات المناخية، وتوفر للمطورين فرصا أوضح لتأمين الإيرادات من خلال اتفاقيات الشراء طويلة الأجل.
كما شهدت المنصة خلال عام 2024 صفقات لتداول أكثر من 2.5 مليون رصيد كربوني، بسعر بلغ 37.5 ريال للطن. وأرى أن هذه التعاملات تمثل خطوة نحو تشكيل أسعار مرجعية، رغم استمرار اختلاف الأسعار وفقا لطبيعة المشروع وجودة الرصيد وموثوقيته وسنة إصداره.
ويبرز هنا مفهوم الميزة التنافسية الذي تناوله مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations، حيث لا تتوقف قدرة الدول على المنافسة عند امتلاك الموارد، بل تمتد إلى بناء المؤسسات والبنية التحتية المتخصصة التي تدعم الابتكار. ومن هذا المنطلق، تسعى السعودية إلى تجاوز دور المشتري للأرصدة الكربونية إلى جذب المطورين الدوليين وإنشاء مشروعات داخل المملكة.
**فرص الاستثمار والمخاطر**
أرى أن تجاوز الطلب للمعروض قد يحسن الجدوى الاقتصادية لمشروعات توليد الأرصدة الكربونية على المدى المتوسط، خاصة في القطاعات الصناعية الثقيلة والطاقة المتجددة، بشرط وجود معايير واضحة للتحقق والشفافية ومنع الازدواجية في احتساب الخفض.
كما تبرز فرص أمام الشركات التي تجمع بين خفض الانبعاثات مباشرة داخل عملياتها وشراء أرصدة موثوقة لتعويض الانبعاثات التي يصعب التخلص منها فوريا، بما يعزز مصداقيتها أمام المستثمرين والعملاء المهتمين بالحوكمة البيئية.
لكن هذا التوسع لا يخلو من المخاطر، إذ إن زيادة المعروض دون ضمان جودة الأرصدة قد تخلق ضغوطا سعرية، كما أن اختلاف معايير التحقق عالميا يفرض على المستثمرين ضرورة التمييز بين المشروعات ذات الأثر المناخي الحقيقي وتلك التي تعتمد على ادعاءات غير مدعومة ببيانات موثوقة.
**رؤية 2030 ومستقبل رأس المال المناخي**
يتوافق نمو سوق الكربون الطوعي مع توجهات رؤية 2030 لتنويع الاقتصاد السعودي، وفتح مجالات استثمارية جديدة تتجاوز القطاعات التقليدية. كما يمكن أن يوفر نمو السوق نموذجا لدول خليجية أخرى تسعى إلى تطوير منصات مماثلة وجذب الاستثمارات المناخية الدولية.
وأتوقع أن يتوسع المعروض تدريجيا مع نضج المشروعات التي يتابعها المطورون، وهو ما قد يقلص فجوة العرض والطلب دون أن ينهيها بالضرورة على المدى القريب.
وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor أهمية خاصة، إذ يحتاج المستثمرون إلى تقييم جودة الأرصدة ومصداقية المشروعات واتفاقيات الشراء طويلة الأجل، بدلا من الاعتماد على الأسعار وحدها، خصوصا أن سوق الكربون لا تزال من الأسواق الناشئة التي تفتقر إلى تاريخ سعري طويل.
وأرى أن سوق الكربون السعودي تتحول تدريجيا من أداة بيئية إلى قناة جديدة لتوجيه رأس المال المؤسسي نحو الاقتصاد المستدام. وستتوقف قدرتها على تعزيز تنافسية المملكة على استمرار الشفافية، وارتفاع جودة المشروعات، وتوسع قاعدة المطورين والمشترين، بما يجعل الاستثمار المناخي أحد المسارات الواعدة لتنويع الاقتصاد السعودي والخليجي خلال السنوات المقبلة.
